ربيعيّات

Pink and Orange by SarahWormann

Pink and Orange by SarahWormann

يأتي الربيع حينما تفرد الأرض لباسها الجديد بهدوء وخفَّة وتُورق الأشخار بلون أخضر بارد يحترق شيئاً فشيئاً كلما غار الربيع واتمزج بالصيف. وعادةً ما يكون الربيع غدَّاراً أكثر من شباط نفسه؛ فتقلب الجو الحاد بين أواخر الشتاء وبدايات الصيف وحرقته يتفاوت بشدة مع لطافة الربيع.

في كل ربيع يجب أن أعاني من حمى الكلأ، تغير الجو الحاد وغبار الطلع يؤثر فيَّ كثيراً. ففي كل مرَّة أخرج فيها للمشي ومحاولة تعويض فيتامين دال الذي لم يكن متوفراً في الشتاء أعود لمنزلي متعبة، مرهقة وأقضي اليوم كاملاً في السرير محاولة أن أعالج نفسي بشوربة أو كوب من عصير البرتقال. لا تستمر حمى الكلأ طويلاً؛ فهي غالباً ما تنتهي في نفس اليوم.

أكثر ما يُميز فصل الربيع ليس لطافة جوِّه وإنما كم المأكولات الذي يُمكننا تحضيره خلاله؛ ففي بدايات الربيع تأخذ بعض الورقيات بالبروز وتبدأ الفواكه بالنضج شيئاً فشيئاً، و ربما أكثر ما يُميز الربيع عندي هو اللوز الأخضر، البرقوق، والكرز اللاتي لا ننتظرها كي تنضج وإنما نبدأ بقطفها خضراء كي نُغمسها بالملح ونستلذ بحموضتها. أتذكر أنها كانت وجبة رئيسية أحملها معي يومياً جنباً إلى سندويشتي في المدرسة برفقة كيس صغير فيه بعض الملح كي نأكلها أنا وصديقاتي خلال الفرصة. وحينما كبرت وسافرت لم أكن لأفوت أمراً كهذا أبداً، فخلال الربيع الماضي استغربت إحدى صديقاتي الأجنبيات أنني طلبت كمية من الكرز قبل نضجه، فنصحتني أن أتروى حتّى ينضج تماماً، لكنني وضحت لها أننا نستلذ به مع بعض من الملح وأنها إحدى الطلبات الأولى للحوامل عندنا، وفي عصر أحد الأيام جرَّبت صديقتي هذه هذا الطعم الفلسطيني البحت ووقعت في غرامه.

أسمي فصل الربيع، موسم الأكل الأخضر! فغالباً ما تكون معظم طبخات النساء في فلسطين والأردن تحديداً خضراء بحتة، هناك نكتة أستحضرها تصف الموضوع فيقول صاحبها: “وحده طبخت لجوزها ملوخيه ثاني يوم خبيزه ثالث يوم سبانخ رابع يوم حكتله ايش اطبخلك حبيبي حكالها بلاش اتعبك اليوم برعى لحالي.” وخلال هذا الموسم تبدأ النسوة عملية تفريز الكثير من الخضراوات استعداداً لفصل الشتاء القادم.

تشتهر الورقيات جداً في فصل الربيع، فالسبانخ، التي يختلف موسمها من بلد لآخر، عادة ما تُطهى على شكل يخاني أو تحشى الفطائر بها، وسبق وأن قدَّمت وصفة لفطائر السبانخ في المدونة. كما أن ورق العنب يبدأ بالنمو في فصل الربيع ويكون في بداياته صغيراً وحامضاً ولذيذاً إلى أن ينضج تماماً في فصل الصيف. تشتهر أيضاً البقوليات الخضرات والطازجة في فصل الربيع، فمقلوبة الفول الأخضر تُسمى ربيعية لاقترانها بفصل الربيع – سبق وقدمتها في وصفة كذلك تجدونها هنا – وهناك كم كبير من الأطباق الخضراء تشرع ربَّات البيوت بتحضيرها ربيعاً مثل يخني الفاصوليا الخضراء والملوخية وغيرها.

الربيع واحد من أجمل أشهر السنة؛ تنتهي فيهِ محنة برد الشتاء استعداداً لفصل الصيف. وتُخرج فيهِ الأرض أشهى ما لديها. أتمنى لكم ربيعاً مفعماً بالحب 🙂

ثناء

Advertisements

لماذا هذه المدونة؟ | مقدمة

فتاش - افتتاحية

قد يتساءل البعض لماذا قررت البدء بمدونة جديدة رغم امتلاكي لمدونة أخرى؟ لسبب وحيد ! لا أود أن تمتلئ مدونتي الأساسية بوصفات للطعام أو بمقالات تخص الأكل وتحضيره ويختلط الحابل بالنابل ! فالبدء بكتابة – جديّة ومتخصصة – عن الطعام وتحضيره يجب أن تكون في مكان واحد.

من كان من زوار مدونتي الأساسية يعرف أنني وخلال بداياتها كنت أفرد مواضيعاً لعرض وصفات طعام أقوم بتحضيرها، لمن أكن أمتلك كاميرا جيدة ولم يكن تصويري جيداً كذلك، لكن شغفي للطعام كان واضحاً. في فترة لاحقة ارتأيت لحذف كل الوصفات المكتوبة لأنني لاحظت أن وجود مطبخ في مدونة محتوياتها أدبية لم يكن شيئاً جيداً أبداً فلجأت لترجمة بعض المقالات المتخصصة في التغذية والتي ربما سأعمل على إكمالها في هذه المدونة قريباً. بالمجمل كان لا بد من الشروع بالكتابة عن الطعام في مكان آخر !

في السنتين الأخيرتين بدأت بقراءة متخصصة عن الطعام، إضافة للترحال والسفر إلى قارات أو بلدان مختلفة علّمني أن أبادر بتجربة كل ما هو جديد والبحث بشكل دائم عن أصناف جديدة أستطيع أن أبتكر منها شيئاً جميلاً، ليس هذا فقط، بل اكتشفت أن تحضير الطعام بقليل من الحب يصنع وجبة لا مثيل لها! إذاً كان الحب هو سري الصغير لصنع وجبات أردتها أن تكون ساحرة.

لمن يعرفني جيداً يعرف أنني أكره الماجي ولا أعرف ما هو السر الذي يجعل المرأة العربية تزجّه في كافة مأكولاتها! أكره التشويه الذي يقوم به البعض حينما يحاولون محاكاة مأكولات غربية أو مختلفة عن منطقتهم، كأن يقوم أحدهم بصنع مقلوبة فلسطينية على الكوسا مثلاً؟ أو صوص ألفريدو من جبن الكيري. لست ضد التطور في الأكل أبداً، على العكس فالتطور يخلق نكهات مميزة وفريدة، لكن التشويه يقلب مفاهيم الطعام إلى أشياء غير مستساغة! أكره كذلك الحلويات التي تتكون من: ظرف دريم ويب، ظرف كريم كراميل، قطع بسكويت وشوكولا! وأعتبرها فشل مطبخي بحت؛ فالطعام اللذيذ لا تصنعه الشركات التجاربة بل الحب الذي نخلقه. من جهة أخرى لدي هذا الحب الجم للتوابل ! وأقضي فترات طويلة في متاجر التوابل أشم تلك الروائح الجميلة، في فلسطين لدينا متاجر كثيرة للتوابل وفيها أنواع توابل لم تخطر على بال أحد، بهار السمنة كمثال، دقة الكعك، وغيرها من البهارات المميزة والكثيرة.

لمن يتساءل إن كانت مدونتي السابقة ستتوقف، بالطبع لا ! ولمن يتساءل عن نوعية المواضيع التي ستحتويها هذه المدونة فدعوا العام الجديد يكشفها 🙂 لكنّها بكل تأكيد ستكون شيئاً لذيذاً ولن تقتصر على وصفات تحضير للطعام !

نخبكُم ! ❤

ثناء